الكاتب والمحلل الجزائري أنور مالك يؤكد على ضرورة تحويل خطة ماتي الإيطالية من خطاب سياسي إلى نتائج ملموسة في الجزائر مع مشاريع ملموسة في التدريب ونقل التكنولوجيا وسلاسل القيمة المحلية....
اعتبر الكاتب و المحلل الجزائري أنور مالك أن هناك عوامل تتوقف على آفاق زيادة صادرات الغاز الجزائري إلى إيطاليا، مشيراً إلى أن ممر الهيدروجين بين الجزائر وإيطاليا فكرة استراتيجية صحيحة.
وأشار مالك، في مقابلة مع موقع “ديكود 39” الإيطالي، إلى أنه لتحويل خطة ماتي الإيطالية من خطاب سياسي إلى نتائج ملموسة في الجزائر، يجب أن تُترجم إلى مشاريع قابلة للقياس في التدريب ونقل التكنولوجيا وسلاسل القيمة المحلية.
وأكد أن الفرصة بين الجزائر وإيطاليا لم تعد في مجال الطاقة فقط، بل رقمنة الاقتصاد، والصناعات الميكانيكية، والزراعة الذكية، والتكوين المهني.
وإلى نص المقابلة مع موقع “ديكود 39” الإيطالي:
1ـ ما الآفاق الواقعية لزيادة صادرات الغاز الجزائري إلى إيطاليا؟
هناك مجالا للزيادة، لكن ليس لقفزة غير محدودة على المدى القصير. السبب أن العلاقة في مجال الطاقة بين البلدين قوية جداً بالفعل، والجزائر أصبحت مورداً محورياً لإيطاليا، لكن الزيادة المستقبلية لا تتوقف فقط على الإرادة السياسية، بل على ثلاثة عوامل تقنية واقتصادية: وهي القدرة الفعلية لخط ترانسميد، وتطور الإنتاج الجزائري القابل للتصدير، وقدرة السوق الإيطالية على استيعاب كميات إضافية بعقود مجدية تجارياً.
إيطاليا استهلكت نحو 62 مليار متر مكعب من الغاز في 2024، كما وسعت قدراتها في التخزين وإعادة التغويز، ما يعني أن هامش الاستيعاب موجود، لكن الطلب الإيطالي ليس في حالة انفجار، وبالتالي فالمعادلة الأساسية هي: زيادة جزائرية ممكنة، لكن ضمن هامش محسوب لا ضمن طفرة مفتوحة.
من زاوية مهمة تتعلق بالبنية التحتية، المؤشر الأهم هو أن الشركات الإيطالية نفسها ترى أن خطوط الربط الجزائرية -الإيطالية تُستخدم أو يمكن أن تُستخدم قريباً من الحد الأقصى، وهذا يعني أن أي رفع معتبر للصادرات يحتاج إلى إزالة اختناقات تقنية في الضغط والربط والتدفقات، وليس مجرد إعلان سياسي.
وفي المقابل، توسع التخزين والغاز المسال في إيطاليا يخفف الضغط على المنظومة الإيطالية، لكنه لا يلغي محدودية الأنبوب نفسه. لذلك فالتقدير الأقرب للواقع هو أن الزيادة القصيرة الأجل ستكون تدريجية وانتقائية، أما الزيادة الكبيرة فتحتاج استثمارات إضافية في المنبع وفي النقل معاً.
إن الرهان الحقيقي ليس فقط على خط ترانسميد، بل على قدرة الجزائر على إنتاج غاز إضافي قابل للتصدير بصورة مستقرة، وعلى قدرة إيطاليا على تحويل هذه الزيادة إلى عقود طويلة الأجل ومربحة للطرفين.
2ـ كيف تقييم مشروع ممر الهيدروجين الأخضر بين الجزائر وإيطاليا؟
المشروع استراتيجي جداً على المدى المتوسط والبعيد، لكنه ما يزال في مرحلة التهيئة والدراسات أكثر من كونه مشروعاً دخل مرحلة التنفيذ الصناعي الكامل. فالممر المعروف باسم SoutH2 Corridor أدرجته المفوضية الأوروبية ضمن المشاريع ذات الاهتمام المشترك، ويستهدف ربط شمال أفريقيا بإيطاليا ثم النمسا وألمانيا عبر بنية أنابيب بطول يقارب 3300 كيلومتر، على أن يبدأ تشغيل أول أقسامه قرابة 2030 وفق الجداول المعلنة.
وفي أكتوبر 2024، تم التوقيع على مذكرة تفاهم بين سوناطراك وسونلغاز وشركاء أوروبيين، بينهم سنام، لإنجاز الدراسات اللازمة عبر كامل سلسلة القيمة للهيدروجين الأخضر المنتج في الجزائر باتجاه السوق الأوروبية.
لكن من وجهة نظر جزائرية واقعية، الجدوى ليست سياسية فقط، بل صناعية-اقتصادية. إن نجاح الممر يتطلب أن يكون الهيدروجين الجزائري قابلاً للمنافسة سعرياً مقارنة ببدائل أخرى، وأن تتوفر كهرباء متجددة بكميات كبيرة جداً، ومياه معالجة أو محلاة، وشبكات نقل ومعايير اعتماد أوروبية واضحة للهيدروجين “الأخضر”.
لذلك يمكن القول إن المشروع واعد، لكنه ليس بديلاً قريباً عن الغاز؛ بل هو ورشة طويلة تحتاج إلى تمويل، وتنظيم، وضمانات شراء أوروبية طويلة الأجل.
ممر الهيدروجين بين الجزائر وإيطاليا فكرة استراتيجية صحيحة، لكنه في هذه المرحلة مشروع بنية تحتية وسياسات وتمويل، وليس بعدُ تدفقاً تجارياً واسعاً.
3ـ ما هي الاستثمارات المطلوبة لتطوير مرافق التحليل الكهربائي والتخزين؟
إذا أردنا الحديث بوضوح، فإن تكلفة المحللات الكهربائية هي قلب المشروع. وفق بيانات وكالة الطاقة الدولية، تتراوح كلفة أنظمة التحليل الكهربائي المركبة حالياً تقريباً بين 2000 و2450 دولاراً لكل كيلوواط للأنظمة القلوية وPEM. هذا يعني أن مشروعاً بحجم 1 جيجاواط من التحليل الكهربائي قد يحتاج تقريباً إلى 2 إلى 2.45 مليار دولار للمحللات وحدها، قبل حساب البنية المكملة.
ثم تأتي الكلفة الثانية: الكهرباء المتجددة المخصصة للمشروع. وبحسب إيرينا، بلغ متوسط الكلفة الاستثمارية العالمية في 2024 نحو 691 دولاراً/كيلوواط للطاقة الشمسية و1041 دولاراً/كيلوواط لطاقة الرياح البرية.
لذلك، إذا أرادت الجزائر بناء قاعدة تصدير هيدروجين خضراء نحو إيطاليا، فهي لا تحتاج فقط محللات كهربائية، بل تحتاج كذلك إلى محطات شمسية وريحية ضخمة، وربط كهربائي داخلي، ومحطات تحويل، وتحلية مياه، وشبكات جمع ونقل.
أما التخزين، فالأرجح تقنياً واقتصادياً هو الاعتماد على التخزين الجوفي طويل الأمد، خصوصاً في الكهوف الملحية أو الخزانات المستنفدة حيثما تسمح الجيولوجيا بذلك.
وتؤكد إيرينا أن التخزين الفيزيائي الكبير، مثل الكهوف الملحية، هو الأنسب للتخزين الموسمي واسع النطاق، وأنه أقل بكثير كلفة من تخزين الطاقة على شكل كهرباء.
لذلك فإن أي تصور جدي لممر جزائري-إيطالي للهيدروجين ينبغي أن يضم منذ البداية دراسة جيولوجية للتخزين، لا فقط دراسة للإنتاج والنقل.
الحديث عن الهيدروجين الأخضر لا يعني استثماراً في الأنابيب فقط، بل سلسلة استثمارات تبدأ بالمحللات الكهربائية، ثم الطاقات المتجددة، ثم المياه والتحلية، ثم التخزين، ثم تكييف البنية التحتية للنقل والاعتماد الأوروبي.
4ـ كيف يمكن ترجمة خطة ماتي الإيطالية إلى مشاريع ملموسة في الجزائر؟
لكي تتحول خطة ماتي من خطاب سياسي إلى نتائج ملموسة في الجزائر، يجب أن تُترجم إلى مشاريع قابلة للقياس في التدريب ونقل التكنولوجيا وسلاسل القيمة المحلية.
رسمياً، الحكومة الإيطالية قدمت الخطة منذ 2024 كإطار تمويل وتعاون بحجم أولي يناهز 5.5 إلى 6 مليارات يورو، وتضمنت بالنسبة إلى الجزائر مشروع مراقبة زراعية بالأقمار الصناعية، ثم شهدت قمة روما في يوليو 2025 توقيع مذكرة تفاهم لإنشاء مركز امتياز للتكوين المهني في الزراعة.
هذا هو المسار الصحيح: الانتقال من العناوين الكبرى إلى منصات تدريب وتشغيل وخدمات تقنية على الأرض.
عملياً، أرى أن الترجمة الأفضل للخطة داخل الجزائر تكون عبر ثلاثة مستويات. الأول: مراكز تكوين مشتركة في الطاقات المتجددة، والصيانة الصناعية، وإدارة المياه، والزراعة الذكية مناخياً.
والثاني: شراكات صناعية ملزمة بنقل المعرفة، بحيث لا تكتفي الشركات الإيطالية بالتوريد، بل تؤسس برامج تدريب للمهندسين والتقنيين الجزائريين.
والثالث: ربط التمويل بالنتائج، أي أن أي مشروع يموَّل تحت مظلة خطة ماتي يجب أن يُقاس بعدد الوظائف، ونسبة الإدماج المحلي، وعدد التقنيين المكونين، وحجم المشتريات من السوق الجزائرية. هذا الاتجاه ينسجم مع الخطاب الإيطالي نفسه القائم على “الشراكة بين متساوين” بعيداً عن المقاربة الافتراسية أو الأبوية.
إذا لم تُترجم خطة ماتي في الجزائر إلى مدارس مهنية، ومختبرات تطبيقية، وشراكات تصنيع محلية، فستبقى مجرد إطار دبلوماسي جميل من دون أثر تحويلي حقيقي.
5ـ ما هي أولويات الجزائر في التعاون الأمني الإقليمي؟ وكيف يمكن لإيطاليا أن تساهم من دون صورة استعمارية؟
الأولوية الجزائرية، في تقديري، هي الاستقرار الإقليمي من منظور السيادة: مكافحة الإرهاب في الساحل، منع انهيار الجوار الليبي، وضبط ملف الهجرة غير النظامية من دون تحويل الجزائر إلى “حارس حدود” لحساب أوروبا.
وهذا ينسجم مع ما ظهر في قمة روما 2025، حيث اتفق الطرفان على التعاون في مكافحة الإرهاب وتمويله وعلى تنسيق عمليات البحث والإنقاذ المرتبطة بالهجرة.
لكن مساهمة إيطاليا لكي لا تُفهم كعودة بروح استعمارية جديده يجب أن تمر عبر أربع قواعد:
أولاً، العمل بطلب جزائري وضمن أولويات جزائرية واضحة. ثانياً، التركيز على التدريب والتكنولوجيا والمعلومات أكثر من الحضور الميداني المباشر. ثالثاً، إدراج أي تعاون حساس ضمن أطر متعددة الأطراف حين يلزم، لا ضمن وصاية ثنائية. رابعاً، ربط ملف الهجرة بالتنمية المحلية وخلق الفرص، لا بالمقاربة الأمنية وحدها. وهذا أيضاً ينسجم مع الخطاب الذي كررته رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني حول التعاون “بين متساوين” وباحترام متبادل.
الجزائر دائما ما تؤكد أنها لا تبحث عن راعٍ أوروبي في الساحل أو ليبيا، بل عن شريك يحترم سيادتها ويقدم قيمة مضافة في التدريب والاستخبارات التقنية والتنمية، لا في الوصاية السياسية.
6ـ ما هي القطاعات الصناعية الأكثر جدوى، إلى جانب الطاقة، للشراكة مع الشركات الإيطالية؟ وما الحوافز المطلوبة؟
إلى جانب الطاقة، أرى أن أكثر القطاعات جدوى هي:
أولاً: تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والبنية الرقمية، لأن اتفاق Sparkle–Algérie Télécom حول كابل بحري جديد يوضح أن هناك أرضية فعلية للتعاون الرقمي والربط الدولي ومراكز البيانات والخدمات المرتبطة بها.
ثانياً: الصناعات الميكانيكية ومكونات السيارات، لأن الجزائر تريد توسيع قاعدة التصنيع المحلي وتنويع اقتصادها، فيما تمتلك إيطاليا خبرة قوية في سلاسل التوريد الصناعية والمكونات والآلات.
كما أن الخطاب الجزائري-الإيطالي في 2025 و2026 صار يتحدث عن التعاون خارج الطاقة، بما في ذلك الصناعة والتكوين التقني.
ثالثاً: الصناعات الزراعية والغذائية والري الذكي، لأن هذا القطاع يتقاطع مع خطة ماتي ومع المشروع الزراعي الفضائي الذي طُرح للجزائر، ومع مركز التكوين الزراعي الذي جرى توقيعه في يوليو 2025. هنا يمكن للإيطاليين أن يقدموا قيمة كبيرة في المكننة، والتحويل الغذائي، وإدارة المياه، والتعبئة والتخزين البارد.
رابعاً: النسيج والملابس التقنية وبعض الصناعات الخفيفة، لكن بشرط أن تكون الشراكة موجهة للتصدير الإقليمي أو الأوروبي، لا فقط للسوق المحلية، لأن ميزتها تقوم على التكامل بين القرب الجغرافي الجزائري والخبرة التصميمية والإنتاجية الإيطالية. وهذا القطاع أقل حضوراً في الاتفاقات المعلنة من الطاقة والاتصالات، لكنه يظل ممكناً إذا ارتبط بحوافز واضحة وسلاسل توريد مستقرة. الاستنتاج هنا تحليلي أكثر منه مرتبط باتفاق معلن بعينه.
أما الحوافز الحكومية الضرورية في الجزائر، فالأهم ليس فقط الإعفاءات الضريبية، بل اليقين التنظيمي. ومع ذلك، لدى الجزائر بالفعل منظومة حوافز عبر الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار تشمل إعفاءات جمركية وضريبية، وإعفاءً من الضريبة على أرباح الشركات والرسم على النشاط المهني لمدد قد تمتد من 3 إلى 5 سنوات، وقد تصل إلى 10 سنوات في بعض الأنظمة والمناطق، إضافة إلى تحمل الدولة جزئياً أو كلياً بعض أعباء البنية التحتية في الحالات المؤهلة.
لكن المستثمر الإيطالي يحتاج فوق ذلك إلى وضوح أكبر في العقار الصناعي، وسرعة في التراخيص، وقواعد مستقرة لتحويل الأرباح ومحتوى محلي قابل للتطبيق.
وفي الأخير:
الفرصة بين الجزائر وإيطاليا لم تعد في مجال الطاقة فقط؛ المستقبل الحقيقي هو في رقمنة الاقتصاد، والصناعات الميكانيكية، والزراعة الذكية، والتكوين المهني. أما الحافز الحاسم فليس الإعفاء الضريبي وحده، بل وضوح القواعد وسرعة التنفيذ.


