Home » السفير لوباسو يستعرض الاستراتيجية الإيطالية للتعامل مع إفريقيا
سياسة

السفير لوباسو يستعرض الاستراتيجية الإيطالية للتعامل مع إفريقيا

FABRIZIO LOBASSO MAECI
مشاركة إيطاليا في منتدى كيجالي تؤكد تحول خطة ماتي إلى أداة عملية لبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع القارة الإفريقية في مجالات الطاقة والتمويل والصناعة...
في منتدى الرؤساء التنفيذيين في أفريقيا لعام 2026، الذي استضافته العاصمة الرواندية كيجالي تحت شعار “إما التوسع أو الفشل”، قدمت إيطاليا نفسها باعتبارها منظومة وطنية متكاملة في إطار خطة ماتي، مع تركيز واضح على بناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد تمتد إلى قطاعات الطاقة والبنية التحتية والإنتاج والتمويل والابتكار، في محاولة لتعزيز حضور اقتصادي أكثر استقرارا وتكاملا داخل القارة الإفريقية.
وقال الدبلوماسي الإيطالي فابريزيو لوباسو، السفير السابق لإيطاليا في السودان ورئيس الوفد الإيطالي في كيجالي، إن إفريقيا لم تعد تُطرح اليوم باعتبارها مجرد سوق تقليدية لعرض المنتجات أو مساحة لفرص استثمارية متفرقة، بل باتت شريكا استراتيجيا حقيقيا في مسارات نمو مشتركة، تقوم على بناء علاقات صناعية وتمويلية وتكنولوجية طويلة الأمد، وعلى منطق المصالح المتبادلة وليس العلاقات العابرة أو المؤقتة.
وخلال يومين من النقاشات المكثفة في كيجالي، برز مفهوم التوسع بوصفه المحور المركزي الذي دار حوله المنتدى، حيث عكس شعار “إما التوسع أو الفشل” رؤية اقتصادية حادة مفادها أن القارة الإفريقية تقف أمام خيارين أساسيين هما بناء كيانات اقتصادية كبرى قادرة على النمو والتكامل على المستوى القاري، أو الاستمرار ضمن مشاريع محدودة الأثر فيما يتعلق بالاستدامة والمنافسة.
وأكد لوباسو على أن قراءة التحولات في إفريقيا لا يمكن أن تنفصل اليوم عن البعد المناخي والبيئي، حيث أصبحت هذه العناصر جزءاً من منطق الاستثمار ذاته، وليست مجرد اعتبارات ثانوية.
وأشار إلى أن النمو الاقتصادي في القارة لم يعد يُقاس فقط بحجم المشاريع أو الاستثمارات، بل بمدى قدرتها على توفير طاقة مستدامة، وبناء بنية تحتية مرنة قادرة على مواجهة الصدمات، وتطوير الزراعة الحديثة، إلى جانب إدماج أدوات التحول الرقمي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في الإنتاج، وإدارة الموارد المائية، وتحسين القدرة على التنبؤ بالمخاطر الاقتصادية والمناخية، وفقاً لموقع “ديكود 39” الإيطالي.
وقال الدبلوماسي الإيطالي إن هذه العناصر مجتمعة باتت تشكل الإطار الجديد الذي تتحرك داخله الشركات والدول على حد سواء، وهو ما يجعل من إفريقيا فضاء واسع الفرص، لكنه يحتاج إلى شراكات قادرة على فهم التحولات العميقة الجارية فيه والتعامل معها بمرونة وواقعية.
وجاءت المشاركة الإيطالية في هذا الإطار من خلال خطة ماتي، التي تهدف إلى إعادة صياغة الحضور الإيطالي في إفريقيا على أساس أكثر تكاملاً وشمولاً، يجمع بين الدولة والقطاع الخاص وأدوات التمويل والتنمية والضمانات، مع تركيز واضح وموسع بشأن قطاعات الطاقة والبنية التحتية والزراعة الصناعية والصناعة التحويلية والتقنيات الرقمية والخدمات المتقدمة.
وبدورها، عملت وزارة الخارجية والتعاون الدولي الإيطالية، بالتعاون مع وكالة التجارة الإيطالية، على إعداد وتنفيذ مجموعة من الأنشطة الترويجية لمنظومة الاقتصاد الإيطالي، مع التركيز على إبراز قدرات الشركات الإيطالية في مجالات الماكينات الصناعية وسلاسل الإنتاج والبنية التحتية والإنشاءات، باعتبارها من أبرز نقاط القوة التي يمكن توظيفها في الشراكات مع القارة الإفريقية.
ويأتي هذا فيما طرح المنتدى سؤالاً محورياً حول مستقبل القرار الاقتصادي في إفريقيا ومن يملك القدرة على توجيهه، حيث أكد الرئيس الرواندي بول كاجامي على ضرورة تعزيز قدرة الدول الإفريقية على الدفاع عن مصالحها الاستراتيجية بشكل أكثر فاعلية، في حين دعا المنظمون إلى تبني مفهوم الملكية المشتركة، الذي يرتكز على تقاسم رأس المال والمخاطر وجزء من آليات الحوكمة والقيم بين الشركاء الأفارقة والدوليين، بما يضمن علاقات أكثر توازناً واستدامة.
وفي مقابلة ضمن أعمال المنتدى، ذلكر لوباسو أن الحضور الإيطالي في كيجالي لم يكن حضوراً رمزياً، بل كان تعبيراً عن منظومة دولة متكاملة تجمع بين المؤسسات العامة والشركات وأدوات التمويل والخبرة الصناعية والتقنية.
وأشار إلى أن هذا النموذج هو ما يسمح لإيطاليا بالتحرك بشكل أكثر فعالية داخل الأسواق الإفريقية، لأن إفريقيا لا تبحث عن شركاء مؤقتين أو مبادرات منفردة، بل عن أطراف قادرة على مرافقة مسارات تنموية طويلة الأمد تقوم على الاستمرارية والثقة.
وتابع أن خطة ماتي بدأت تتحول تدريجياً من إطار سياسي عام إلى أداة تنفيذية ملموسة، تسهم في إطلاق مشاريع حقيقية وبناء شراكات صناعية وتمويلية قابلة للقياس والتطبيق، مشيراً إلى أن القيمة الحقيقية لمثل هذه المشاركات لا تظهر فوراً، بل تتجسد مع مرور الوقت، مع توسيع المعرفة الدقيقة بالأسواق، وبناء جسور تعاون مع المؤسسات المالية وصناديق التنمية الإقليمية والدولية، وهو ما يشكل أساس أي حضور اقتصادي مستدام.
وحول مشاركة اتحاد صناعة آلات التعبئة والتغليف الإيطالي، قال لوباسو إن هذا القطاع يعكس جانباً محورياً من قوة الصناعة الإيطالية، لا سيما فيما يتعلق بدعم وتطوير سلاسل الإنتاج الزراعي والصناعي.
ولفت لوباسو إلى أن القيمة المضافة لا تكمن فقط في تصدير المعدات، بل تمتد إلى نقل المعرفة التقنية، وتقديم التدريب المتخصص، وتوفير الدعم الفني المستمر، بما يسمح ببناء قدرات إنتاجية محلية قادرة على التطور والاستمرار.
وفيما يتعلق بالبعد المالي، أكد لوباسو على أهمية دور صندوق الودائع والقروض الإيطالي كاسا دي بوسيتي اي بريستيتي باعتباره أحد الأدوات الأساسية لتحويل الرؤية السياسية إلى مشاريع واقعية قابلة للتنفيذ، خصوصاً في مجالات الطاقة النظيفة والتنقل الكهربائي والتنمية الحضرية المستدامة.
وأوضح أن توفر أدوات تمويل مشتركة بين القطاعين العام والخاص يعد شرطاً أساسياً لزيادة قدرة الشركات الإيطالية على دخول الأسواق الإفريقية وتقليل المخاطر وتعزيز الاستمرارية.
وتطرق إلى اختيار كيجالي لاستضافة المنتدى، موضحاً أنه لم يكن أمراً عابراً، بل يعكس المكانة المتزايدة لرواندا كنقطة ارتكاز إقليمية، إذ حيث إلى لعب دور محور لوجستي وتقني في منطقة أوسع من القارة، مستفيدة من سياساتها في مجالات التحول الرقمي وتطوير بيئة الأعمال وجذب الاستثمارات الأجنبية.
وشدد على أن أي بعثة اقتصادية أو دبلوماسية لا يمكن أن تحقق نتائج ملموسة دون متابعة منظمة ودقيقة، تقوم على تحليل الفرص وربط الفاعلين الاقتصاديين وتنسيق أدوات الدولة المختلفة بشكل متكامل، موضحاً أن كيجالي يمكن أن تتحول إلى نموذج عملي مستدام لنموذج الحضور الإيطالي في إفريقيا.
وأشار إلى أن الرسالة الأساسية التي عادت بها إيطاليا من كيجالي تتمثل في أن إفريقيا لم تعد تُختزل في كونها سوقاً أو مجالاً للمساعدات التنموية، بل أصبحت شريكاً استراتيجياً في بناء مسارات نمو مشتركة، وأن النجاح في هذا الإطار لا يقوم على المبادرات الفردية، بل على الاستمرارية والثقة والعمل المنسق بين الدولة والقطاع الخاص والتمويل والخبرة الصناعية.

اشترك في النشرة الإخبارية