بروكسل تمول أول مركزين إقليميين لحماية الكابلات البحرية وتكلف روما بتنسيق مركز البحر المتوسط...
انتقلت الكابلات البحرية من كونها بنية تحتية غير مرئية تديرها شركات الاتصالات بعيداً عن الاهتمام السياسي إلى أحد الملفات الرئيسية على أجندة الأمن الأوروبي.
وقررت المفوضية الأوروبية تمويل أول مركزين إقليميين لأمن الكابلات البحرية في الاتحاد الأوروبي، أحدهما في بحر البلطيق والآخر في البحر المتوسط، مع إسناد مهمة تنسيق المركز المتوسطي إلى إيطاليا بالشراكة مع اليونان وقبرص ومالطا.
ويمثل قرار المفوضية الأوروبية تمويل أول مركزين إقليميين للكابلات البحرية خطوة جديدة في مسار تعزيز أمن البنية التحتية الحيوية للاتحاد.
ومن خلال تخصيص 5.8 ملايين يورو للمشروعين، إلى جانب إطلاق دعوة تمويل إضافية بقيمة 40 مليون يورو لتعزيز قدرات إصلاح الكابلات، تسعى بروكسل إلى بناء شبكة مشتركة للرصد والتنسيق والاستجابة لحماية بنية تحتية يعتمد عليها جزء متزايد من الاقتصاد الأوروبي.
ومن المقرر أن يحصل مشروع مركز البحر المتوسط على تمويل قدره 3.3 ملايين يورو، وسيتولى تطوير إجراءات مشتركة ومنصات لتبادل المعلومات وآليات استجابة منسقة للحوادث التي قد تشمل أكثر من دولة.
ولا يمثل هذا القرار مجرد اعتراف سياسي بدور إيطاليا، بل يعكس أيضاً الأهمية المتزايدة التي يكتسبها البحر المتوسط في الجغرافيا الاستراتيجية لأوروبا.
وخلال السنوات الأخيرة، تحول حوض المتوسط إلى أحد أهم محاور الربط بين أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط وآسيا.
وتعبر قاع البحر شبكة من الكابلات التي تنقل البيانات والخدمات الرقمية والاتصالات الدولية، إلى جانب مشروعات بنية تحتية جديدة للطاقة يُرتقب أن تسهم في تكامل أسواق الكهرباء وتعزيز التعاون المتنامي بين أوروبا ودول الضفة الجنوبية للبحر المتوسط.
وبدورها، تحتل إيطاليا موقعاً محورياً في هذا النظام، حيث يجعلها موقعها الجغرافي إحدى أبرز نقاط استقبال وتوزيع الاتصالات التي تربط القارة الأوروبية بالمسارات العابرة للبحر المتوسط الشرقي والجنوبي.
كما أن تولي إيطاليا تنسيق المركز الجديد يعكس واقعاً جغرافياً واستراتيجياً قائماً أكثر من كونه مجرد خيار سياسي.
ويأتي القرار الأوروبي أيضاً في وقت تشهد فيه أولويات الأمن داخل الاتحاد مراجعة عميقة، بعدما كشفت الحوادث التي طالت خلال السنوات الأخيرة بنى تحتية بحرية في منطقة البلطيق عن هشاشة شبكات كانت تعتبر أصولاً اقتصادية فقط.
ومن هنا انطلقت خطة العمل الأوروبية لأمن الكابلات البحرية التي قُدمت عام 2025، والتي لا تقتصر على حماية البنية التحتية القائمة، بل تهدف إلى بناء قدرة أوروبية موحدة للرصد والاستجابة تتجاوز التشتت القائم بين الدول الأعضاء.
وسيتضمن ذلك رؤية مشتركة للمخاطر وتعزيز إدارة منسقة للحوادث في المناطق الأكثر حساسية.
وفضلاً عن المراقبة، يبرز عنصر آخر يتمثل في القدرة على التدخل السريع. فالدعوة التمويلية الجديدة بقيمة 40 مليون يورو تهدف إلى تعزيز القدرات الأوروبية الخاصة بإصلاح الكابلات البحرية عبر وحدات قابلة للنشر السريع انطلاقاً من الوسائل العاملة بالفعل في الأحواض البحرية الرئيسية.
ويعكس إنشاء المركزين الإقليميين في بحر البلطيق والبحر المتوسط تحولاً أوسع في مفهوم الأمن الأوروبي، الذي بات يشمل البنى التحتية المادية الداعمة للبيانات والطاقة والخدمات الرقمية.


