زيارة رئيسة الوزراء الإيطالية إلى مسقط تفتح مرحلة استراتيجية جديدة بحسب محللون من عمان...
سلطت وسائل إعلام محلية الضوء على الزيارة الرسمية التي تقوم بها رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني إلى مسقط، غدا.
وتحدث محللون عُمانيون عن مرحلة استراتيجية جديدة في العلاقات بين روما ومسقط، مشيرين إلى أن الزيارة الرسمية لرئيسة الوزراء إلى سلطنة عُمان تتجاوز كونها محطة ثنائية تقليدية، حيث تعكس توجهًا جديدًا لإيطاليا في منطقة الخليج، يقوم على اختيار الحياد الإيجابي الذي تنتهجه عُمان بوصفه بوابة للتعامل مع منطقة تشهد تحولات متسارعة، وفقاً لموقع “ديكود 39” الإيطالي.
وبدعوة من السلطان هيثم بن طارق آل سعيد، ستكون ميلوني أول زعيمة أجنبية يستقبلها العاهل العُماني في عام 2026، في خطوة سياسية تعكس مستوى الثقة المتبادلة والرؤية المشتركة بشأن قضايا الاستقرار والحوار وتنويع الاقتصاد.
وتعد الزيارة ثمرة مشاركة ميلوني في قمة الاتحاد الأوروبي و مجلس التعاون الخليجي التي عُقدت في 3 ديسمبر الماضي، والتي شهدت حضور السلطان هيثم بعد غياب دام 14 عامًا.
وقالت مصادر في الأوساط الخليجية إن سلطان عمان قرر المشاركة في القمة من أجل لقاء رئيسة الوزراء الإيطالية.
وقال محللون إن اهتمام عمان بإيطاليا يرجع لطبيعة النموذج الاقتصادي الإيطالي القائم على الشركات الصغيرة والمتوسطة، والذي يمثل عنصرًا مهمًا في دعم خطط التنمية الاقتصادية.
وتبدي عُمان التزامًا قويًا بتطوير مصادر الطاقة المتجددة، وعلى رأسها الهيدروجين الأخضر، الذي تسعى إلى إنتاجه محليًا وتصديره إلى أوروبا.
كما تسعى لجذب الاستثمارات الصناعية لإقامة مصانع للصلب والألمنيوم على أراضيها، اعتمادًا على الطاقة النظيفة المستمدة من الهيدروجين، مستفيدة من المساحات الصحراوية الواسعة، على أن يتم تصدير المنتجات إلى الأسواق الأوروبية.
وفي هذا السياق، يعد قطاع الرعاية الصحية أحد مجالات الاهتمام الرئيسية، مع توقعات بأن تشهد الزيارة طلبًا متزايدًا على الاستثمارات المتبادلة في هذا القطاع، في ظل توجه المنظومة الصحية العُمانية نحو الخصخصة وحاجتها إلى الشراكات والخبرات الدولية.
أيضاً تكتسب الزيارة بعدا جيوسياسيا مهما نظرا للدور الذي تضطلع به مسقط في علاقاتها مع إيران وجماعة الحوثيين في اليمن، وعلاقاتها الخاصة مع طهران، فضلاً عن محاولاتها المتكررة للوساطة بين إيران والولايات المتحدة.
من جانبه، قال محمد العريمي، رئيس جمعية الصحفيين العُمانيين، إن الزيارة لا يمكن قراءتها في الضوء الدبلوماسي التقليدي، بل في إطار عملية أوسع لإعادة تموضع إيطالي في الخليج والشرق الأوسط.
وأضاف العريمي أن عُمان تمثل بالنسبة لروما منصة استراتيجية للتوازن، كونها الدولة الخليجية الوحيدة التي تحافظ على علاقات فعالة مع واشنطن وطهران والرياض وأبوظبي وأوروبا.
وأشار إلى أن السياسة الخارجية العُمانية غير المنحازة وقدرتها على الوساطة، من الملف النووي الإيراني إلى أزمة البحر الأحمر، تجعل من مسقط شريكًا طبيعيًا لإيطاليا في عهد ميلوني، التي تسعى إلى دور أكثر استقلالية على الساحة الأوروبية والشرق أوسطية.
بدوره، قال الصحفي والمحلل العُماني علي المقبالي إن العلاقات بين مسقط وروما تستند على الثقة والتعاون المؤسسي أكثر من اعتمادها على الرمزية أو الإعلانات السياسية.
وأوضح أن عُمان ترى في إيطاليا قوة أوروبية براغماتية وغير أيديولوجية، قادرة على التعاون على أسس عملية، فيما تنظر روما إلى مسقط باعتبارها شريكًا يتمتع بسياسة مستقرة وقابلة للتوقع وانفتاح دبلوماسي متعدد الاتجاهات.
وتتمحور الأبعاد الاقتصادية للزيارة حول رؤية عُمان 2040 التي تهدف إلى تنويع الاقتصاد وتقليص الاعتماد على الهيدروكربونات، عبر تطوير قطاعات الطاقة الخضراء، واللوجستيات، والصناعة، والسياحة، والتصنيع المتقدم.
وبدورها، تتطلع إيطاليا، التي تُعد شريكًا مهمًا في مجالات التكنولوجيا والمعدات لقطاع النفط والغاز، إلى تعزيز التعاون في مجال الهيدروجين الأخضر، حيث تستهدف عُمان إنتاج مليون طن سنويًا بحلول عام 2030.
وستركز المناقشات على فرص إنشاء مشروعات مشتركة ومشاركة إيطالية في ممرات طاقة محتملة تربط عُمان بهولندا وألمانيا، فضلاً عن مشروعات الغاز الطبيعي المسال وتحسين الكفاءة الصناعية.
أيضاً تتضمن الملفات المطروحة مشروعات البنية التحتية والموانئ، من صحار إلى الدقم وصلالة، بوصفها عقدًا استراتيجية على طرق التجارة نحو المحيط الهندي وشرق إفريقيا، وهي أسواق رئيسية للشركات الإيطالية.
كما يؤكد الجانبان على أهمية الحوار و استقرار الدول في مواجهة التفكك الإقليمي، وهي رؤية تجمع بين نهج ميلوني ونهج السلطان هيثم بن طارق، وسط دور الدبلوماسية العُمانية في ملفات معقدة تشمل إيران واليمن وغزة والبحر الأحمر.
وقال العريمي إن الجانبان يؤكدان على الحوار مع الجميع دون اصطفاف فج، مشيراً إلى أن زيارة ميلوني تمثل بداية مرحلة استراتيجية جديدة طويلة الأمد.
وفي هذا السياق، يركز الجانبان على تطوير ثلاثة مسارات رئيسية هي اقتصادي، تقوده التحولات في مجال الطاقة والتكنولوجيا الصناعية، وسياسي، عبر تعزيز التنسيق الدبلوماسي في القضايا الإقليمية، واستراتيجي، مع دور عُمان بوصفها حلقة وصل بين الخليج والمحيط الهندي وإفريقيا، وهي مناطق محورية للرؤية المتوسطية الإيطالية.
وأكد المقبالي أن الاستثمار اليوم في العلاقة بين إيطاليا وعُمان يعني بناء رصيد من الثقة والاستقرار في عالم سريع التغير، حيث تتطلع مسقط وروما إلى نظام إقليمي قائم على الحوار والتنمية المستدامة.
هذا وتحدثت الصحافة العُمانية الناطقة بالإنجليزية عن ميلوني كونها أول زعيمة أجنبية يستقبلها السلطان هيثم بن طارق في عام 2026، موضحة أن المحادثات ستركز على التعاون السياسي والاقتصادي والاستراتيجي.
وأشارت صحيفة مسقط ديلي لتامي الزخم في العلاقات العُمانية الإيطالية والالتزام المشترك بالقضايا الإقليمية والدولية.


