استراتيجية إيطالية شاملة تشمل أربعة عشر دولة ومئة مشروع لتعزيز التنمية المستدامة والبنية التحتية والقطاع الخاص...
تشهد العلاقات بين إيطاليا وإفريقيا مرحلة جديدة من الانطلاق الاستراتيجي مع انعقاد القمة الثانية لإيطاليا إفريقيا في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، حيث تشارك رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني كضيف شرف في الجلسة الافتتاحية للاتحاد الإفريقي.
وتأتي هذه القمة في إطار تقييم شامل لخطة ماتي بعد مرور عامين على انطلاقها، مع التركيز على استدامة المشاريع وتعزيز القدرات الاقتصادية للقارة وتطوير القطاع الخاص المحلي، بما يعكس الطموح الإيطالي لتقديم نموذج تعاون قائم على الشراكة المتساوية.
وتشمل خطة ماتي، أربعة عشر دولة إفريقية، بينها الجزائر وكوت ديفوار وأنغولا وإثيوبيا وكينيا والمغرب، وتضم نحو مئة مشروع في مجالات الطاقة والتحول المناخي والزراعة والأمن الغذائي والبنية التحتية المادية والرقمية والصحة والمياه و التدريب المهني ورأس المال البشري والذكاء الاصطناعي والفضاء.
ويشارك في تنفيذ هذه المشاريع القطاع الخاص والمؤسسات المدنية والمنظمات غير الحكومية بدعم الدولة الإيطالية، بهدف تعزيز القدرات الاقتصادية للقارة وخلق قطاع خاص متكامل وضمان استدامة المبادرات.
وقد خصص الجانب الإيطالي أكثر من مليار يورو بين تمويلات وضمانات وأدوات، بالتعاون مع البنوك الإفريقية والدولية والمؤسسات الأوروبية، لتعزيز مصداقية المشاريع وضمان استمراريتها.
وتهدف القمة إلى جمع آراء الشركاء الإفريقيين حول المشاريع الجارية، وتحديد الأولويات التشغيلية والأساليب المناسبة للفترة القادمة، حيث تعد خطة ماتي استراتيجية ذات أبعاد أوروبية ودولية، مدعومة بتنسيق مع الاتحاد الأوروبي عبر مبادرة البوابة العالمية، ومؤسسات الاتحاد الإفريقي، ومؤسسات دولية متعددة، وشراكات ثنائية مع العديد من الدول الإفريقية.
أيضاً يتمثل الهدف في بناء شراكة فعلية تقوم على تبادل المنافع، وضمان أن تكون جميع المبادرات متوافقة مع أولويات الدول الإفريقية وأجندة الاتحاد الإفريقي 2063.
من جانبه، قال ماريو جيرو، نائب وزير الخارجية الإيطالي السابق، إن إفريقيا لم تعرف مرحلة صناعية متكاملة في أي قطاع، وأن هذا هو جوهر فكرة خطة ماتي، التي تمثل فرصة جديدة للنمو والتعاون.
وأكد جيرو أن النهج الجديد يرتكز على الاستماع للشركاء الإفريقيين وفهم احتياجاتهم قبل وضع الخطط، مع العمل على تنفيذ مشاريع ملموسة في مجالات التعليم والصحة والزراعة والطاقة، وتشجيع القطاع الخاص الإيطالي على الاستثمار في القارة ضمن أطر منسقة ومدعومة بالدولة لضمان نجاح المشاريع، وفقاً لموقع “ديكود 39” الإيطالي.
وأضاف أن الابتكار يكمن في الجمع بين المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية والقطاع الخاص، بما يتيح لأفريقا بناء قدراتها الاقتصادية وقطاع خاص محلي متكامل.
وأشار إلى أن التحدي الرئيسي يتمثل في تنسيق الأعمال بين شركات صغيرة ومتوسطة الحجم، والتي تحتاج إلى دعم وإرشاد لضمان الاستثمار الصحيح، وهو ما يميز خطة ماتي عن المحاولات السابقة التي كانت تركز على الدول أو على المنظمات غير الحكومية فقط.
وأوضح جيرو أن خطة ماتي تمثل نموذجًا عمليًا لإدخال إفريقيا في الاقتصاد العالمي بطريقة متوازنة ومستدامة، مع مراعاة الخصوصيات المحلية لكل بلد وشراكات متعددة القطاعات لضمان فعالية النتائج.
وتشمل المشاريع الجارية في الجزائر إنشاء مركز التدريب الزراعي “إنريكو ماتي” في سيدي بلعباس لتعزيز البحث والتكوين المهني ونقل التكنولوجيا في القطاع الزراعي والأغذية، إضافة إلى مشروع استصلاح الأراضي شبه الجافة وتطويرها للإنتاج الزراعي بالشراكة مع مجموعة بونيفيك فيراريسي الإيطالية، بما يتيح إنشاء سلاسل إنتاج محلية وخلق فرص عمل عالية التأهيل وتطبيق تقنيات الزراعة المتقدمة.
وفي كوت ديفوار، تشمل المبادرات دعم تطوير المناطق الريفية وإنشاء قطب صناعي زراعي بالشراكة مع الصندوق الإيطالي للمناخ والصندوق الدولي للتنمية الزراعية، إلى جانب مشاريع لتعزيز النظام الصحي وتطوير التعليم الأساسي في أكثر من 800 مدرسة في 18 منطقة، بهدف تحسين جودة التعليم والرعاية الصحية للأمهات والأطفال.
وفي أنجولا، يتمثل المشروع الرئيسي في تطوير ممر لوبيتو للطاقة والبنية التحتية الإقليمية، لتعزيز الربط اللوجستي والطاقة المستدامة في المنطقة.
وفي في إثيوبيا، تشمل المشاريع إعادة تأهيل بحيرة بوي بالكامل وتطوير مدينة جيما، بما في ذلك المباني التاريخية والبنية التحتية للطرق، فضلاً عن تعزيز النظام الصحي الإقليمي بمساهمة مالية تبلغ 15 مليون يورو، ودعم الصحة في إقليم تيحراي.
وفي كينيا، تقدم الحكومة الإيطالية عبر الصندوق الإيطالي للمناخ تمويلات بقيمة 150 مليون يورو لدعم الاستراتيجيات المناخية، إضافة إلى تطوير أدوات التمويل المستدامة لتعزيز وصول البلاد إلى الأسواق الدولية، كما تشمل المشاريع زيادة الغطاء للغابات وإدارة الموارد الطبيعية بطريقة مستدامة.
وفي المغرب، يتم تنفيذ مشاريع استراتيجية لإدارة الموارد المائية بشكل متكامل ومستدام، بالتعاون مع فرنسا وألمانيا والاتحاد الأوروبي، بما يعزز قدرة البلاد على مواجهة آثار التغير المناخي ويضمن استمرارية الموارد لمستقبل آمن.
وتؤكد القمة كذلك على البعد المتعدد الأطراف للمبادرة، بمشاركة رئيسة الاتحاد الإفريقي محمد علي يوسف، ورئيس أنغولا جواو لورينسو، ورئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد علي، إضافة إلى مسؤولين من المنظمات والمؤسسات المالية الدولية مثل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، ورئيس البنك الإفريقي للتنمية سيدي ولد طه، والمديرة التنفيذية للبنك الدولي آنا بيردي.
بالإضافة إلى ذلك، يشارك في القمة أيضًا ممثلون عن القطاع المالي والإداري الإيطالي والشركات الكبرى والمنظمات المدنية المعنية بالمبادرات، بما يعكس دور إيطاليا المركزي في تنسيق التعاون بين الحكومات الإفريقية والمؤسسات الدولية.
وتشدد رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني على أن خطة ماتي ليست مجرد مبادرة موازية، بل جزء من استراتيجية الاتحاد الإفريقي ورؤية شاملة لتعزيز التنمية والابتكار والبنية التحتية والقطاع الخاص، بما يحقق النمو المشترك ويضمن استدامة المشاريع على المدى الطويل، ويحول القمة إلى منصة حقيقية لتقييم الأداء وضمان أن تكون المشاريع متسقة مع أولويات الدول الإفريقية.


