أرحب محمد الصرحي يقول إن معاهدة 1926 كانت خطوة شجاعة و إن منتدى اقتصادي وتعزيز التدريب يمهدان لمرحلة ما بعد الحرب..
في الثاني من سبتمبر عام 1926، وقّعت إيطاليا واليمن في صنعاء معاهدة الصداقة والعلاقات الاقتصادية، لتصبح أول وثيقة تعترف فيها قوة غربية باستقلال اليمن، وتؤسس لقرن من العلاقات الثنائية بين البلدين.
وبعد مئة عام، تمثل هذه الذكرى فرصة تتجاوز حدود الاحتفال الرمزي، لتكون مدخلًا إلى بناء علاقة أكثر واقعية وفاعلية، تستشرف مرحلة ما بعد الحرب وتضع أسس التعاون في إعادة الإعمار.
ولم تكن معاهدة عام 1926، التي وقعها الإمام يحيى وحاكم إريتريا الإيطالية جاكوبو جاسباريني، مجرد اتفاق دبلوماسي، بل أرست أساسًا لتعاون تقني وصحي، واستفاد اليمن خلال السنوات اللاحقة من خبرات أطباء ومتخصصين إيطاليين عملوا في البلاد.
وساهم هذا الإرث في تكوين صورة إيجابية عن إيطاليا لا تزال حاضرة، خصوصًا لدى الأجيال اليمنية الأكبر سنًا. إلا أن هذا الرصيد التاريخي لم يعد حاضرًا بالقدر نفسه لدى الأجيال الشابة، كما تراجعت معرفته على المستوى الدولي.
قد تبدو إيطاليا واليمن بعيدين جغرافيًا، لكن خطوط التجارة والملاحة تربط بينهما بصورة وثيقة. فإيطاليا تقع في قلب البحر المتوسط، بينما يشرف اليمن على البحر الأحمر وخليج عدن ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية للتجارة بين أوروبا وآسيا، والمرتبط مباشرة بحركة الملاحة عبر قناة السويس.
وأظهرت الاضطرابات الأخيرة في البحر الأحمر مدى سرعة انعكاس أي تعطيل لحركة الملاحة في باب المندب على تكاليف النقل والتأمين وأعمال الموانئ في البحر المتوسط، بما يترك آثارًا مباشرة على الاقتصادات الأوروبية.
ولا يمثل استقرار اليمن بالنسبة إلى إيطاليا قضية أمنية وعسكرية فحسب، بل يرتبط أيضًا بأمن سلاسل الإمداد واستمرارية حركة التجارة، فضلًا عن الفرص الاقتصادية التي يمكن أن تنشأ مستقبلًا.
ومن جهتها، تتابع جمعية الصداقة الإيطالية اليمنية، برئاسة أرحب محمد الصرحي، التطورات الإقليمية والعلاقات بين البلدين منذ سنوات، بما في ذلك خلال فترات صعبة، كان من بينها أزمة السياح الإيطاليين الذين تعذر مغادرتهم جزيرة سقطرى في مطلع عام 2026.
واعتبر الصرحي، وهو رجل أعمال وناشط يمني، أن اليمن لا ينبغي أن يُقرأ من خلال الحرب وحدها.
وفي تحليله لتحركات المجلس الانتقالي الجنوبي والتنسيق بين السعودية وسلطنة عُمان، قال الصرحي: إن ما يحدث هو إعادة تموضع تفرض الوحدة اليمنية على جميع الأطراف، بما يتماشى مع المواقف الإقليمية والدولية.
وأشار إلى أن المنطقة تشهد إعادة ترتيب لموازينها السياسية، فيما يظل الخطر قائمًا بأن يبقى اليمن معلقًا بين صراعات النفوذ والمشروعات غير المكتملة.
وذكر الصرحي أن انتهاء الحرب، متى تحقق، لا ينبغي أن يكون موعدًا لبدء التحضير لإعادة الإعمار، بل إن الاستعداد للمرحلة المقبلة يجب أن يبدأ من الآن، من خلال تعزيز العلاقات بين المؤسسات والشركات، وتطوير برامج التدريب، ودراسة المشروعات وتحديد القطاعات التي تتقاطع فيها مصالح البلدين.
ويتمتع اليمن بإمكانات يمكن أن تشكل قاعدة لاقتصاد مستقبلي، من بينها قاعدة سكانية شابة، وساحل طويل، وفرص في قطاعات الطاقة والثروة السمكية والزراعة والموانئ والخدمات اللوجستية، إلى جانب السياحة التي يمكن أن تصبح قطاعًا واعدًا في المستقبل.
وتابع الصرحي: يعمل المجلس الانتقالي الجنوبي من دون اعتراف كامل، وتدير السعودية الأزمة من دون قرارات نهائية، فيما تعيد المنطقة ترتيب مواقعها من دون إعلانات صريحة.
وفي ظل هذا المشهد، يمكن لإيطاليا، بحسب الصرحي، أن تقدم خبراتها وتطرح رؤية طويلة الأمد للتعاون مع اليمن.
وتتماشى الخبرات الإيطالية مع عدد كبير من الاحتياجات المستقبلية لليمن، ولا سيما في مجالات البنية التحتية والموانئ والمطارات والطاقة وإدارة المياه والرعاية الصحية والزراعة والاتصالات والصناعات الميكانيكية والتدريب المهني.
كما يمكن لموانئ عدن والحديدة والمكلا أن تكتسب أهمية إقليمية متزايدة إذا تحقق الاستقرار وعاد اليمن إلى شبكة طرق التجارة الدولية.
ولا يجب أن يقتصر التعاون على إبرام عقود كبرى مع الشركات الأجنبية، إذ يمكن للشركات الإيطالية الصغيرة والمتوسطة أن تلائم احتياجات الاقتصاد اليمني في مرحلة إعادة البناء، من خلال دعم رواد الأعمال المحليين، وتأهيل الفنيين، وتوفير فرص عمل جديدة.
ويبرز قطاع الطاقة بوصفه مجالًا آخر للتعاون، إذ يمتلك اليمن النفط والغاز، إلى جانب إمكانات كبيرة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في بعض المناطق.
أيضا يمثل التراث الثقافي مجالًا واعدًا للتعاون، فصنعاء وشبام وزبيد وسقطرى تزخر بمواقع ذات قيمة تاريخية استثنائية تحتاج إلى الحماية.
ويمكن للخبرة الإيطالية في الترميم وعلم الآثار وحماية التراث أن تسهم في مشروعات تحمل قيمة ثقافية ورمزية كبيرة للبلدين.
جدير بالذكر أنه في يونيو 2026، شاركت مجموعة من الدبلوماسيين اليمنيين الشباب في إيطاليا في برنامج تدريبي بين تورينو وروما، بمشاركة وزارة الخارجية الإيطالية ومركز التدريب الدولي التابع لمنظمة العمل الدولية، وذلك في إطار إحياء الذكرى المئوية للعلاقات بين البلدين.
واعتبر الصرحي أن مبادرات من هذا النوع قد تكون أكثر أهمية من الإعلانات، داعيًا إلى زيادة أعداد الطلاب اليمنيين في الجامعات الإيطالية، وتوسيع برامج التدريب للمهندسين والأطباء والدبلوماسيين والموظفين الحكوميين، وتعزيز التواصل بين الجامعات.
وقال الصرحي إن الذكرى المئوية يجب أن تتحول إلى نقطة انطلاق لمسار عملي، من خلال إنشاء منتدى اقتصادي إيطالي يمني يجمع الشركات والمؤسسات والجامعات والمستثمرين حول طاولة واحدة.
ومن شأن اليمن أن ينظر إلى إيطاليا ليس فقط باعتبارها دولة أوروبية صديقة، وإنما أيضًا بوصفها شريكًا اقتصاديًا محتملًا وجسرًا نحو أوروبا والبحر المتوسط.
فيما تحتاج إيطاليا إلى النظر إلى اليمن من زاوية تتجاوز أخبار الحرب، والتعامل مع البلد الذي يمكن أن يخرج من أزمته ويبدأ مرحلة إعادة البناء.


