المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تستهدف جذب المزيد من الاستثمارات الإيطالية في التصنيع والخدمات اللوجستية والتصدير إلى أفريقيا والشرق الأوسط، ضمن شراكة تتقاطع مع أهداف خطة ماتي....
تستهدف المنطقة الاقتصادية لقناة السويس أن تصبح منصة رئيسية للاستثمارات الإيطالية في مصر، في مجالات التصنيع والخدمات اللوجستية والتصدير إلى أفريقيا والشرق الأوسط.
وخلال منتدى الأعمال المصري الإيطالي، أمس، استعرض رئيس الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، مصطفى شيخون، أرقام السنة المالية الأخيرة، مشيرًا إلى إبرام اتفاقات بشأن 117 مشروعًا جديدًا واستثمارات بقيمة تقارب 7.3 مليار دولار.
ولا تقتصر أهمية هذا الرهان على الجانب التجاري. فبالنسبة إلى روما والقاهرة، يمكن أن تتحول المنطقة الاقتصادية لقناة السويس إلى محور عملي لخطة ماتي الإيطالية في أفريقيا، باعتبارها بنية صناعية ولوجستية تلتقي فيها التكنولوجيا الإيطالية والقدرات الإنتاجية المصرية مع الأسواق الأفريقية والشرق أوسطية والأوروبية.
وكانت هذه هي الرسالة التي برزت خلال منتدى الأعمال المصري الإيطالي، الذي نظمته في العاصمة الإدارية الجديدة المصرية وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية والهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة، بمشاركة وزارة الخارجية الإيطالية ووكالة التجارة الإيطالية. ولم يكن اختيار هذا المكان من قبيل الصدفة، إذ جمع المنتدى المؤسسات والبنوك والشركات بهدف نقل الحوار الثنائي من مستوى النوايا إلى مستوى المشروعات.
وتحدث شيخون، عن العرض المصري أمام المستثمرين. وكانت الدعوة الموجهة إلى الشركات الإيطالية مباشرة، وتتمثل في دراسة إقامة منشآت إنتاجية جديدة ومراكز لوجستية واستثمارات صناعية في منطقة تستهدف دمج المصانع والموانئ والنقل البحري والتصدير.
وتستمد المنطقة الاقتصادية لقناة السويس قوتها أولًا من موقعها الجغرافي. فهي تمتد على ضفتي القناة، وتضم مناطق صناعية وموانئ بحرية بين البحر المتوسط والبحر الأحمر، بما يوفر للشركات وصولًا مباشرًا إلى أحد أهم ممرات التجارة العالمية.
ويقوم النموذج على منصة متكاملة، تتمثل في الإنتاج في مصر، ونقل البضائع عبر موانئ المنطقة، والوصول إلى أوروبا وأفريقيا والخليج وآسيا، بآجال وتكاليف يمكن أن تكون أكثر تنافسية.
وبالتالي، لا يتعلق الأمر بالنسبة إلى الشركات الإيطالية بمجرد دخول السوق المصرية، وإنما باستخدام مصر قاعدة للإنتاج والتصدير إلى أسواق إقليمية أوسع، بالاستفادة من الاتفاقيات التجارية التي أبرمتها القاهرة وموقعها الذي يربط بين ثلاث قارات.
وكشفت البيانات التي قدمتها الهيئة تسارع وتيرة هذه الاستراتيجية. ففي السنة المالية 2025-2026، أبرمت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس اتفاقات بشأن 117 مشروعًا جديدًا، بقيمة تقترب من 7.3 مليار دولار.
يعكس هذا الرقم تزايد ثقة المستثمرين في قدرة المنطقة على توفير البنية التحتية والخدمات وإجراءات أكثر سرعة وتبسيطًا.
فيما يتمثل التحدي في تحويل هذه الاتفاقات إلى منشآت عاملة وسلاسل توريد محلية وفرص عمل مؤهلة.
وتسعى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس إلى مرافقة المستثمرين منذ مرحلة التفاوض وحتى بدء الإنتاج، وصولًا إلى خطط التوسع المحتملة، بما يقلل العقبات الإدارية التي غالبًا ما تعرقل إقامة المشروعات الصناعية في الأسواق الناشئة.
وتعد مصر شريك ذو أولوية بالنسبة لإيطاليا في منطقة المتوسط وأفريقيا، نظرًا إلى موقعها الجغرافي وثقلها الإقليمي ومركزيتها في قطاع الطاقة ودورها في طرق التجارة. وتضيف قناة السويس عنصرًا آخر، إذ تجمع في مساحة واحدة البنية التحتية والموانئ والتصنيع والروابط مع الأسواق الأفريقية.
وفي هذا السياق، يمكن أن تصبح المنطقة الاقتصادية لقناة السويس إحدى الساحات التي تختبر فيها خطة ماتي أبعادها الأكثر عملية، من خلال القدرة على تعبئة رأس المال الخاص، ودعم تدويل الشركات، وبناء شراكات صناعية لا تقتصر على التصدير.
وتقوم الفكرة على التنمية المشتركة: التكنولوجيا والآلات الإيطالية، والتصنيع في مصر، والوصول إلى أسواق المنطقة.
وتتمتع إيطاليا بالفعل بحضور اقتصادي مهم في مصر، ولا سيما في قطاعات الطاقة والصناعات الغذائية والميكانيكا والإنشاءات.
وتتمثل الخطوة التالية في تعزيز التكامل الصناعي، والاستفادة من القطاعات التي يبدو فيها الاحتياج المصري والعرض الإيطالي أكثر تكاملًا.
وشارك في الجلسة الافتتاحية، من بين آخرين، محمد عوض من الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة، وماورو باتوكي من وزارة الخارجية الإيطالية، وكارلو روسوتو من بنك كاسا ديبوزيتي إي بريستيتي، ومحمد الإتربي من البنك الأهلي المصري، وباولا بابانيكولاو من بنك إنتيسا سان باولو.
ويبرز الحضور المشترك للمؤسسات المالية والجهات العامة نقطة أساسية، وهي أنه من دون الضمانات والائتمان وأدوات المساندة، يصعب ترجمة الدبلوماسية الاقتصادية إلى استثمارات فعلية.
وتتوافق القطاعات التي أشار إليها باتوكي مع بعض أولويات التحول في مصر ومجالات التنافسية الإيطالية التقليدية، ومنها: الطاقة ومصادر الطاقة المتجددة المياه وتحلية المياه وإدارة الموارد المائية؛ البنية التحتية والخدمات اللوجستية والروابط البحرية؛ الإنتاج الصناعي والآلات؛ التكنولوجيا المتقدمة، فضلاً عن التدريب الفني والمهني.
ويمثل الاهتمام بالتدريب مؤشرًا مهمًا، حيث تتطلب المصانع الجديدة والمنصات اللوجستية مهارات متخصصة وأعمال صيانة متقدمة وعمالة مؤهلة.
وتطمح المنطقة الاقتصادية لقناة السويس إلى أن تكون أكثر من مجرد أداة لجذب رؤوس الأموال. فهي تستهدف ترسيخ مكانتها كجسر صناعي بين أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط، في وقت تبحث فيه سلاسل الإمداد عن قدر أكبر من المرونة والقرب الجغرافي وتنويع مصادرها.
وبالنسبة إلى إيطاليا، يتعلق الرهان بتعزيز موقعها في محور حاسم بمنطقة المتوسط الموسع. أما بالنسبة إلى مصر، فإن وصول استثمارات إيطالية جديدة يمكن أن يسهم في رفع القيمة المضافة للإنتاج المحلي، وزيادة الصادرات، وتعزيز دور البلاد كمركز إقليمي.
وتحاول المنطقة الاقتصادية لقناة السويس أن توفر لخطة ماتي الإيطالية أرضية عملية، ليس فقط التعاون والحوار، وإنما الموانئ والمصانع والتمويل وسلاسل الإنتاج.


