محللون: انهيار الجبهة الغربية وتوتر العلاقات بين الرياض وأبوظبي يعقدان المشهد ويزيدان المخاطر الإقليمية...
اعتبر ثلاثة محللين وصحفيين يمنيين تحدثوا إلى موقع “ديكود 39” الإيطالي أن سيطرة الحوثيين على المخا ومناطق واسعة من الساحل الغربي لا تمثل نهاية للحرب في اليمن، بل تفتح مرحلة جديدة تعيد رسم خريطة موازين القوى حول مضيق باب المندب، في ظل تراجع الجبهة الغربية وتصاعد التوتر بين السعودية والإمارات.
وقال توفيق الحميدي، المحامي والناشط السياسي والحقوقي اليمني، إن سيطرة الحوثيين على منطقة باب المندب “يجب قراءتها باعتبارها انتقالًا إلى مرحلة جديدة من الحرب، وليس مجرد نهاية لجولة عسكرية”.
واعتبر أن جزءًا مهمًا من خريطة النفوذ قد تغير، لكن الوضع لم يستقر بعد، ولا تزال الجبهات مفتوحة أمام احتمالات قد تعيد رسم موازين السيطرة خلال الفترة المقبلة.
وتحدث الحميدي عن تسلسل التصعيد، بدءًا من أزمة الطائرة الإيرانية ماهان، مرورًا بإعلان الحوثيين انتهاء مرحلة خفض التصعيد، وصولًا إلى فرض قيود على السفن السعودية تحت شعار “الحصار بالحصار”.
وفي 3 سبتمبر، شنت القوات الحوثية هجومًا واسع النطاق غربي تعز، ولا سيما في مقبنة والوازعية وجبل حبشي، باستخدام أعداد كبيرة من المقاتلين.
واعتبر المحلل أن القوات الحكومية “تمكنت في المرحلة الأولى من الصمود وامتصاص الضربة”، رغم عملها في ظل نقص حاد في الأسلحة والذخائر وعدم انتظام صرف الرواتب، مشيراً إلى أن ذلك يمثل مؤشرًا مهمًا على طبيعة المعركة وقدرة المقاتلين المحليين على الصمود رغم ضعف الإمكانات.
ووفق الحميدي، جاءت أخطر نقطة تحول مع انسحاب وحدات من المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح، ما أدى إلى سقوط معسكر خالد بن الوليد والتقدم الحوثي السريع حتى سقوط مدينة المخا ومينائها.
ودعا المحلل إلى الحذر بشأن الاتهامات التي ترددت في هذا السياق، مشيراً إلى أن هناك شهادات ميدانية تتحدث عن تنسيق قام به بعض ضباط قوات طارق صالح خلال عمليات الانسحاب، لكنها معلومات تحتاج إلى تحقيق مستقل وقانوني وعسكري قبل التعامل معها باعتبارها حقيقة نهائية.
وأشار إلى الأنباء عن دور إماراتي محتمل مرتبط بالإطاحة السابقة بالقوات الموالية لأبوظبي من حضرموت، مؤكدًا أن خطورة هذه الاتهامات تفرض التعامل معها باعتبارها فرضيات تحتاج إلى تحقيق، وليس حقائق مثبتة.
وبعد سقوط المخا، تقدم الحوثيون نحو ذباب وجزيرة ميون، التي وصفها الحميدي بأنها “موقع جغرافي بالغ الحساسية في قلب المضيق”، فيما تجاوز عدد النازحين مئة ألف شخص باتجاه عدن وتعز وجيبوتي، وسط تقارير عن عمليات نهب واعتقالات و”ممارسات تحمل طابعًا انتقاميًا يتجاوز العمليات العسكرية نفسها”.
واعتبر الحميدي أن الحوثيين يؤكدون أن الممرات البحرية ستظل مفتوحة أمام الملاحة، في رسالة تهدف إلى “الفصل بين السيطرة العسكرية على المضيق ووقف الملاحة”، لأن الجماعة تعلم جيدًا أن السيطرة على باب المندب تمنحها وزنًا استراتيجيًا هائلًا، لكن وقف الملاحة قد يحول هذا المكسب سريعًا إلى سبب لتدخل دولي أوسع.
وذكر المحلل أن وجود “حليف قادر على ممارسة نفوذ حقيقي بالقرب من أحد أهم الممرات البحرية في العالم” يمثل بالنسبة لطهران ورقة ضغط إضافية في أي مواجهة مستقبلية مع الولايات المتحدة أو حلفائها، إلى جانب مضيق هرمز.
وبخصوص موسكو، دعا الحميدي إلى الحذر، مشيرًا إلى أن أي تقارب في المصالح مرتبط بارتفاع أسعار النفط يجب تمييزه عن وجود دليل على مشاركة روسية مباشرة في المعركة، لأن إثبات ذلك يتطلب أدلة أوضح.
وفيما يتعلق بالرياض، اعتبر الحميدي أن السؤال الحاسم يتمثل فيما إذا كانت السعودية ستدخل الحرب بصورة أكثر مباشرة، أم ستفضل تقديم دعم عسكري ولوجستي واستخباراتي أكبر للحكومة الشرعية لحسم معركة الشمال.
وحدد المحلل أربعة أهداف للحوثيين في هذه المرحلة، تتمثل في كسر التوازن الجغرافي القائم، وزيادة الضغط على الرياض، وفرض أنفسهم كأمر واقع على المستوى الدولي، ومنح طهران ورقة إقليمية إضافية.
كما طرح عدة سيناريوهات محتملة، من بينها ترسيخ السيطرة على الساحل، وصولًا إلى تدويل باب المندب إذا جرى استخدام المضيق ضد السفن، وهو السيناريو الذي وصفه بأنه الأخطر على الحوثيين أنفسهم، لأنه قد يحول مكسب السيطرة على باب المندب إلى عبء عسكري وسياسي واستنزاف طويل الأمد.
من جهته، قال عبد الرحيم الشيباني، المحلل اليمني وكاتب الرأي في صحيفة العربي الجديد، إن انهيار جبهة المخا لا يمكن فصله عن الأحداث المتسارعة التي شهدها اليمن منذ بداية عام 2026 وعن التوترات بين السعودية والإمارات، التي كان اليمن المسرح الأهم لها.
واعتبر الشيباني أن الأزمة بدأت في ديسمبر 2025، عندما تمردت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعومة من أبوظبي، واتجهت نحو حضرموت والمهرة، ما دفع الرياض إلى محاولة الوساطة لأكثر من شهر.
ووصلت الأزمة إلى نقطة الانفجار عندما أرسلت الإمارات شحنة من الآليات والمعدات العسكرية إلى ميناء المكلا لدعم قوات المجلس، موضحًا أنه رغم التحذيرات، أفرغت السفينة حمولتها في الميناء وبدأ إنزالها، قبل أن تقصف القوات الجوية السعودية تلك الآليات، في ما وصفه المحلل بأنه أول اشتباك مباشر بين الحليفين في اليمن.
وفي اليوم التالي، سحب الرئيس رشاد العليمي الغطاء السياسي عن الوجود العسكري الإماراتي، ومنح أبوظبي 24 ساعة لسحب قواتها.
واعتبر الشيباني أن الإمارات تلقت “هذه الصفعة” دون تعليقات علنية.
وطرح المحلل تساؤلًا حول ما إذا كانت أبوظبي، “الغاضبة من الرياض”، يمكن أن تقبل بسهولة أن ترث السعودية هذا الإرث العسكري وتحصد ثماره بعد عقد من الاستثمارات.
ودعا المحلل إلى الحذر، قائلا: ليس بالضرورة أن يكون طارق صالح أو غيره خائنًا أو متواطئًا؛ فهذا يفترض وجود ما تثبته أو تنفيه تحقيقات عسكرية تجريها الجهات المختصة.
يأتي هذا فيما رصد الصحفي اليمني أمين دبوان، الموجود على جبهة تعز حيث تحاول القوات الحكومية وقف تقدم الحوثيين، سرعة التغير في السيطرة على الساحل الغربي.
وأوضح أن الحوثيين فرضوا سيطرتهم على أربع مديريات رئيسية في تعز، هي المخا والوازعية وموزع وذباب، إضافة إلى مديريتين جنوب الحديدة، هما حيس والخوخة، بعدما كانتا خاضعتين لنفوذ القوات المشتركة بقيادة طارق صالح، واستولوا خلال عملية الانسحاب على كميات من الأسلحة الثقيلة والمدرعات والمعدات العسكرية.
وامتد التقدم إلى السيطرة على جزر حنيش، ما فرض واقعًا جديدًا بالقرب من طرق الملاحة الدولية ومضيق باب المندب.
وأفاد دبوان بوقوع غارات جوية استهدفت أرتال الأسلحة والآليات التي استولى عليها الحوثيون أثناء نقلها من المخا باتجاه صنعاء، إلى جانب حشد وحدات من ألوية العمالقة وقوات درع الوطن في منطقة رأس العارة، استعدادًا لعملية تهدف إلى استعادة المواقع التي فُقدت حول باب المندب والمخا.
كما أطلق المجلس الأعلى للمقاومة الشعبية الموالية للحكومة دعوات إلى التعبئة العامة لتعزيز المواقع في المديريات المتبقية.
وعلى الجبهة الشمالية، بين الجوف ومأرب والبيضاء، أشار دبوان إلى تقدم القوات الحكومية، مع استعادة مناطق مثل اليتمة ومعسكر اللبنات.
وقال الصحفي إن الرهان الأوسع يتعلق بالتقاطع بين المضيقين الاستراتيجيين، إذ إن السيطرة الحوثية على باب المندب، بالتزامن مع النفوذ الإيراني في هرمز تضع مفاتيح طرق الملاحة ومسارات الطاقة العالمية في أيدي هذا التحالف، وهو ما يعتبره مصدر قلق دولي بالغ الخطورة على أمن حركة التجارة العالمية.
وبذلك يتفق الثلاثة محللون على أن سقوط المخا ووصول الحوثيين إلى باب المندب لا يعنيان نهاية الحرب اليمنية، بل يفتحان فصلًا أكثر غموضًا، تتداخل فيه صمود جبهة تعز، والخلاف بين الرياض وأبوظبي الذي خلفته أزمة حضرموت، واحتمال تحول باب المندب إلى ورقة نفوذ إقليمية.
وبحسب الحميدي، فإن قيمة هذه الورقة ستعتمد على طريقة استخدامها، إذ يمكن أن تتحول إلى “مكسب استراتيجي طويل الأمد”، أو إلى شرارة أزمة تتجاوز حدود اليمن.


