Home » السفير تالو: الهندو المتوسطي بات إطارا عمليا يعيد تشكيل العلاقة بين أوروبا وآسيا
سياسة

السفير تالو: الهندو المتوسطي بات إطارا عمليا يعيد تشكيل العلاقة بين أوروبا وآسيا

فورمنتيني: إيطاليا والهند أمام شراكة استراتيجية تربط المتوسط بالمحيطين الهندي والهادئ....
تشهد العلاقات بين إيطاليا ونيودلهي تطوراً متسارعاً يتجاوز البعد الثنائي التقليدي نحو شراكة استراتيجية أوسع نطاقاً، تتداخل فيها اعتبارات الأمن والاقتصاد والبنية التحتية والطاقة ضمن فضاء جيوسياسي واحد يمتد من المحيط الهندي إلى الشرق الأوسط وصولاً إلى البحر المتوسط.
ويأتي هذا التحول في سياق إعادة صياغة أعمق للتوازنات الدولية، حيث تتقاطع التحولات الجيوسياسية مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية.
واستعرض المبعوث الإيطالي الخاص للممر الاقتصادي الهندي–الشرق الأوسط–أوروبا فرانشيسكو ماريا تالو قراءة موسعة لهذه المرحلة، مشيراً إلى أن زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى إيطاليا تمثل نقطة تحول مهمة في مسار العلاقات الثنائية، إذ تعكس انتقالها من التعاون القطاعي إلى شراكة استراتيجية شاملة تقوم على رؤية موحدة للأمن والتنمية والاستثمار.
وأكد تالو أن مفهوم الهندو-المتوسطي لم يعد مجرد إطار تحليلي أو توصيف جغرافي سياسي، بل بان منظومة عملية تتبلور تدريجياً عبر مشاريع ومبادرات ملموسة تربط بين القارات الثلاث.
وأشار إلى أن هذا المفهوم يعكس إدراكاً متزايداً بأن التحديات المعاصرة، من أمن الطاقة إلى سلاسل الإمداد وصولاً إلى الاستقرار البحري، لم تعد قابلة للإدارة ضمن حدود إقليمية منفصلة.
وتابع أن الممر الاقتصادي الهندي–الشرق الأوسط–أوروبا يشكل العمود الفقري لهذا التحول، حيث لا يقتصر على البنية التحتية للنقل البحري والسككي، بل يمتد ليشمل شبكات الطاقة والاتصالات الرقمية والمناطق اللوجستية والموانئ الاستراتيجية، بما يعيد رسم خرائط التجارة الدولية ويخلق مستويات جديدة من الترابط بين الاقتصادات الكبرى والناشئة.
وأوضح تالو أن العالم يشهد انتقالاً من منطق الفصل بين الملفات إلى منطق التشابك الكامل بينها، حيث أصبحت قضايا الأمن البحري مرتبطة مباشرة بالاستقرار الاقتصادي، وأصبحت الاستثمارات في البنية التحتية جزءاً من معادلات النفوذ الجيوسياسي، كما باتت التكنولوجيا عنصر توازن رئيسياً في العلاقات الدولية.
وشدد تالو على الأهمية الخاصة للممرات البحرية الاستراتيجية التي تربط بين هذه الفضاءات، مثل مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس والبحر المتوسط، معتبراً أنها لم تعد مجرد نقاط عبور تجاري، بل تحولت إلى بنية تحتية حيوية للاقتصاد العالمي، وأن أي اضطراب فيها ينعكس فوراً على سلاسل الإمداد العالمية وأسعار الطاقة وحركة التجارة، وفقاً لموقع “ديكود 39” الإيطالي.
وأوضح أن الهند أصبحت أحد الأعمدة الأساسية في هذه الرؤية الممتدة، ليس فقط بحكم ثقلها الديموغرافي والاقتصادي، بل نتيجة تطورها الصناعي والتكنولوجي وقدرتها على الاندماج في سلاسل الإنتاج العالمية.
وأشار إلى أن هذا الواقع يفتح مجالاً واسعاً للتكامل مع القدرات الصناعية الإيطالية، خصوصاً في قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة والتقنيات المتقدمة.
وربط تالو بين هذا التحول وبين ضرورة تبني أوروبا عموماً وإيطاليا خصوصاً لسياسة خارجية أكثر مرونة وتنوعاً في الشراكات، تقوم على الانفتاح على مراكز النمو الجديدة في العالم، دون التخلي عن الإطار الأوروبي، بل عبر تعزيزه من خلال أدوار أكثر فاعلية في الفضاءات الممتدة نحو آسيا وأفريقيا.
وأكد تالو على أن المقاربة الهندو-المتوسطية تمثل إعادة تعريف لطبيعة العلاقات بين أوروبا وآسيا، حيث لم تعد الجغرافيا عامل فصل بقدر ما أصبحت عنصر ربط وتكامل، في نظام دولي جديد تتداخل فيه المصالح الاقتصادية مع الاعتبارات الأمنية والتكنولوجية، ويزداد فيه الاعتماد المتبادل بين الفاعلين الدوليين بصورة غير مسبوقة.
من جانبه، أكد نائب رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الإيطالي، باولو فورمنتيني، أن القمة التي جمعت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني برئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي شددت على أهمية الشراكة الاستراتيجية بين إيطاليا والهند، في إطار رؤية جيوسياسية تربط البحر المتوسط بمنطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وأوضح فورمنتيني أن القمة أكدت حقيقتين أساسيتين: الأولى تتمثل في ضرورة الانتقال بمشروع الممر الاقتصادي الهندي – الشرق الأوسط – أوروبا “إيميك” من مرحلة الاجتماعات السياسية والوزارية إلى مرحلة التنفيذ العملي، خصوصًا عبر تطوير التعاون في مجالات الموانئ والبنية التحتية والخدمات اللوجستية، فيما تتعلق الثانية بتعزيز الحضور الدولي للحكومة الإيطالية، التي وصفها بأنها أصبحت نموذجًا يحظى بإعجاب العديد من الدول.
وأشار إلى أن ميلوني شددت خلال لقائها مودي على مفهومي المعاملة بالمثل والتكامل، معتبرًا أن هذه المبادئ تكتسب أهمية خاصة في ضوء طبيعة العلاقة مع الهند.
وأضاف أن العمل الذي قامت به الحكومة الإيطالية خلال السنوات الأخيرة لبناء علاقة قوية مع نيودلهي يرتبط أيضًا بما وصفه بـ”البناء الإبراهيمي – الهندي”، الذي يستند إلى اتفاقيات أبراهام وإلى رؤية أوسع للتعاون الإقليمي.
وحول مشروع إيميك، قال فورمنتيني إن المرحلة الحالية تشهد انتقالًا من الحوار السياسي إلى الخطوات التنفيذية، لافتًا إلى توقيع نائب وزير البنية التحتية والنقل إدواردو ريكسي مذكرة تفاهم خلال قمة ميلوني – مودي لتعزيز التعاون في قطاعات الموانئ والخدمات اللوجستية والبنية التحتية.
وشدد على أن إيطاليا تسعى إلى ترسيخ مكانتها بوصفها المحطة الطبيعية للممر الاقتصادي، مستفيدة من شبكتها اللوجستية التي تضم موانئ رئيسية مثل جنوة وترييستي، إلى جانب شبكة متطورة من الموانئ الجافة والبنى التحتية.
وكشف أن هذا التوجه يتماشى مع مفهوم الهندو – متوسطي، الذي ينظر إلى البحر المتوسط باعتباره امتدادًا استراتيجيًا متصلًا بالمحيط الهندي، مشيراً إلى أهمية أمن الملاحة البحرية واحتواء تحركات الجهات المعادية في هذه المناطق الحيوية.
وبخصوص ملف الأمن والاستقرار الدولي، أكد فورمنتيني أن إيطاليا تقوم بدور متقدم على الساحة الدولية، مشيرًا إلى أن ضمان حرية الملاحة، خصوصًا في مضيق هرمز والبحر الأحمر، يمثل مصلحة استراتيجية مباشرة لكل من إيطاليا والهند، لا سيما في ظل اعتماد الاقتصاد الإيطالي على الصادرات.
أيضاً تحدث عن  الدور الصيني، معتبرًا أن تحركات بكين في منطقة المحيط الهندي غامضة أو متعارضة مع المصالح الوطنية الإيطالية، في إشارة إلى الوجود البحري الصيني ومحطات المراقبة المرتبطة به في بعض المناطق الاستراتيجية القريبة من الهند.
وقال إن نيودلهي تدرك جيدًا هذه التطورات، مشيراً إلى أن على إيطاليا أن تأخذها في الاعتبار حتى لا يتحول البحر المتوسط إلى نسخة من المحيط الهندي.
وبشأن تقييمه لمسار العلاقات الإيطالية – الهندية منذ قمة مجموعة السبع في بورجو إينياتسيا، اعتبر فورمنتيني أن تقدمًا كبيرًا تحقق خلال السنوات الأخيرة، حيث أشاد بالدور الذي لعبه السفير فرانشيسكو تالو، المبعوث الإيطالي الخاص لمشروع إيميك في بلورة هذه الرؤية الاستراتيجية.
كما أشار إلى أهمية الدور الذي يمكن أن تضطلع به الإمارات العربية المتحدة مستقبلًا، مؤكدًا أنها ستكون دولة محورية بالنسبة لمستقبل كل من الهند وإيطاليا.

اشترك في النشرة الإخبارية