ميلوني تدفع نحو شراكة منظمة مع مجلس التعاون مع رؤية متكاملة بين أوروبا والمحيطين الهندي والمتوسطي...
في سياق انتقال الجغرافيا السياسية من الأطر الإقليمية إلى منظومة عالمية مترابطة، يعود مفهوم منطقة المتوسط الموسعة إلى صدارة الرؤية الاستراتيجية الإيطالية.
وشكل هذا المفهوم الإطار العام لمداخلة رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني خلال “منتدى أوروبا–الخليج” الذي عُقد في نافارينو باليونان، حيث قدّمت مقاربة متكاملة للعلاقات بين أوروبا ودول الخليج في ضوء التحولات الدولية المتسارعة.
وتأتي هذه الرؤية من حقيقة أن البحر المتوسط والخليج لم يعودا فضاءين منفصلين، بل جزءاً من بنية جيوسياسية واحدة تؤثر في التجارة والطاقة والأمن الدولي.
وبات الممر البحري الممتد من مضيق هرمز إلى باب المندب مروراً بقناة السويس وجبل طارق والبوسفور، يمثل بنية تحتية استراتيجية عالمية تتحكم في تدفقات الطاقة وسلاسل الإمداد واستقرار الأسواق.
من جانبها، وضعت ميلوني خطابها ضمن مفهوم الأزمات المتداخلة، الذي يصف تداخل الصدمات الجيوسياسية والاقتصادية والأمنية.
وتعكس هذه المقاربة تقارباً مع توجهات أوروبية ترى أن الأزمات المعاصرة مترابطة بطبيعتها، مع التأكيد على دور روما كحلقة وصل سياسية بين أوروبا والجنوب العالمي.
ودعت رئيسة الوزراء الإيطالية إلى بلورة شراكة استراتيجية دائمة بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي، تتجاوز نمط التعاون الظرفي.
ويأتي مقترح عقد قمة دائمة بين مجلس التعاون والاتحاد الأوروبي والبحر المتوسط في هذا السياق، كإطار مؤسسي يهدف إلى تحويل التعاون إلى بنية سياسية واقتصادية مستقرة، بما يعزز موقع إيطاليا الدبلوماسي في منطقة تشهد تنافساً متزايداً بين القوى الكبرى، بما في ذلك الولايات المتحدة والصين وقوى إقليمية أخرى.
وأكدت ميلوني على منهج يقوم على التعاون القائم على الاحترام المتبادل ورفض الاشتراطات الثقافية أو الدينية، في رسالة تعكس توجه روما إلى تقديم نفسها كشريك براغماتي قادر على الحوار دون فرض نماذج جاهزة، ضمن سياق النقاش الأوروبي الأوسع حول العلاقة مع العالم العربي.
وبشأن الصعيد الأمني، فقد حمل الخطاب نبرة أكثر وضوحاً، إذ اعتبرت حرية الملاحة في مضيق هرمز مصلحة عالمية وأوروبية حيوية، مع الإشارة إلى تأثير التوترات في الخليج على الأمن الاقتصادي الأوروبي. كما أعادت ميلوني الإشارة إلى مشاركة إيطاليا في مهمتي أسبيدس وأتالانتا، في تأكيد على الدور العملي لروما في أمن الممرات البحرية.
وفيما يتعلق بملف إيران، أكدت ميلوني موقفاً صارماً تجاه البرنامج النووي، مشددة على رفض أي توازن يجمع بين القدرات النووية وأنظمة الصواريخ الباليستية بعيدة المدى.
وتطرقت إلى الهجمات التي يُعتقد أنها وصلت إلى قبرص، بما يضع لأول مرة تهديداً ذا طابع إقليمي داخل المجال الأوروبي المباشر، ويعزز الدعوات إلى انخراط أوروبي أكبر في أمن المنطقة.
ويستند الخطاب على تصور استراتيجي يقوم على ثلاثة مستويات مترابطة هي إعادة تعريف دور المتوسط كفضاء عالمي متصل، وبناء محور مؤسسي مع الخليج، وتعزيز موقع إيطاليا كوسيط وشريك أمني. فـ”القاطرة الاستراتيجية” التي تحدثت عنها ميلوني لا تقتصر على توصيف جغرافي، بل تعكس محاولة لإعادة تموضع إيطاليا داخل شبكة نفوذ تمتد بين أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط وآسيا، حيث تتحول الطاقة والبنية التحتية والاتصال الرقمي إلى أدوات رئيسية لإعادة تشكيل التوازنات.
يأتي ذلك فيما يتمثل التحدي الأساسي في مدى قدرة هذه الرؤية على التحول إلى سياسات أوروبية مشتركة ومبادرات تنفيذية ملموسة.


